هالني ما أطالع من تعليقات أقل ما توصف به أنها وحشية ، يعلق بها إخوة لنا وأخوات على المحاكمات التي تجري الآن لرموز الفساد وعلى رأسهم المتهمين بقتل المتظاهرين.
لا شك أن زوال الدنيا أهون عند الله من سفك دم امرء مسلم ، كما أخبر الصادق الأمين صلى الله عليه وسلم، ولا شك أيضاً أنه وفقاً لشرع الله لابد للقاتل، إذا ثبت جرمه (وأضع مئات الخطوط تحت هذه العبارة الأخيرة) أن يقتل قصاصاً عادلاً، إلا أن يعفو أولياء الدم ويقبلوا الدية، وكثيراً ما يحدث هذا في المملكة العربية السعودية، حتى لا يتصور القارئ أن العفو هنا اختراع أو أمر من نسج الخيال. فالقصاص حق والعفو فضل، وهنيئاً لمن يعفو الدرجات العلى في جنات النعيم.
لا أشكك للحظة في هذا كله … ولكن نحن نعيش اليوم في مناخ قد يسميه البعض حرية، ولكنني أفضل أن أقول أنها الفوضى لا الحرية، وقد كتبت منذ أيام معدودة عن “أعجوبة المحاكمة الشعبية” وأرى أن ما أكتبه اليوم هو امتداد طبيعي لنفس المشكلة المتفاقمة في حياتنا اليوم.
أتساءل مرة أخرى: من يحكم على المتهم أنه مدان أو برئ؟
ومن له أن ينفذ الحد الشرعي بعد ثبوت الجرم؟
وما هي أشكال الحدود الشرعية التي قررها الشرع الحنيف؟
لا يحكم بين الناس إلا قاضِ عدل
ولا ينفذ الحكم إلا ولي الأمر ومن يكلفهم بالتنفيذ
وأشكال الحدود الشرعية مثبتة بالقرءان وسنة النبي صلى الله عليه وسلم الصحيحة ولا خلاف عليها
لذلك هالني أن أقرأ من يتمنى إطلاق الناس على القاتل في ميدان التحرير لينالوا منه ولا يتركوه إلا جثة هامدة !!
ومن يتمنى أن يتم تقطيعه إرباً وتوزيعها بالعدل على أسر القتلى !!
ولا أدري ما علاقة هذا بطبيعة مجتمعنا المصري ولا بالشريعة الإسلامية التي يفترض أن تكون حاكمة لنا في كل قول، وكل فعل ، وكل حكم.
حجة أولئك المتكلمين أن هؤلاء ظلموا وافتروا وقتلوا وعذبوا إلى آخر تلك القائمة السوداء
حسناً
هل تذكرون ماذا فعل كفار قريش … وأكرر كفار قريش… في المسلمين الأوائل بمكة؟
هناك من عذب ومن قتل … ناهيك عن التجويع والظلم والتعقب
هل نمى إلى علم أحدكم من قبل أن النبي صلى الله عليه وسلم قتل أو أمر بقتل أحد من سادة قريش المتورطين في هذه الأفعال بالتقطيع أو بإلقائهم للعوام الغاضبين “إن جاز التعبير” ؟؟
من كان النبي صلى الله عليه وسلم يهدر دمه لجرائمه المتكررة ضد الأبرياء كان يقتل فحسب
لا يعذب ولا يقطع ولا يضرب حتى الموت !
بل إنه صلى الله عليه وسلم حينما عاد إلى مكة فاتحاً منتصراً أبى أن يمس أحداً من أهل مكة بسوء برغم كل ما فعلوه به وبأصحابه وأتباعه رضي الله عنهم أجمعين.
من أسوتنا بالله عليكم؟ من نتبع؟
لطالما تألمنا وشكونا من أن الشرطة تسئ معاملة المواطنين المحتجزين على ذمة قضايا لم تثبت بعد
وكنا ندندن أن “المتهم برئ حتى تثبت إدانته” وأنه حتى لو كان مداناً فلا يجوز انتهاك حقوقه كإنسان
وكنا أحياناً نطالب بعدم الفضح وعدم النشر إلا بعد ثبوت الاتهامات
وكنا ندعو على الظالمين الذين إذا تسلطوا على الناس استغلوا قوتهم فآذوهم وعذبوهم وسخروا منهم على الملأ
سبحان الله
لماذا عندما صرنا الأقوى أصبحنا نفعل مثلهم؟
لماذا لم نطبق هذه المبادئ التي طالما تشدقنا بالحديث عنها عندما صارت لنا الغلبة ؟
وطالما نحن بهذه القوة وهذه الشجاعة لماذا لم ننطق عند هؤلاء القوم بكلمة واحدة وقت كانوا متربعين على عروشهم “إن جاز التعبير” ؟
لماذا لم نمنعهم من ظلمهم وهم إخوتنا – شئنا أم أبينا – والنبي صلى الله عليه وسلم أمرنا بنصرة أخينا ظالماً أو مظلوماً ، وحدد لنا أن نصرة الظالم هي منعه من ظلمه.
إن الدعاوى الخاصة بالانتقام التي يطلقها البعض جداَ أو هزلاَ تجعلني أستحضر صورة “الثورة الفرنسية”
قد يفتخر البعض بهذا التشبيه ، ولكنه حقيقة ليس مدعاة لأي فخر
فهي ثورة دموية وحشية ، أجل أتت لتقضي على ظلم الطبقة الأرستقراطية في فرنسا آنذاك ، ولكنها استبدلت ظلماً بظلم ، وتسلطاً بتسلط ، وأسالت من الدماء أنهاراً منها ما كان لأبرياء، بل ويروي البعض أنها في النهاية كانت دماء الثوار أنفسهم !!
ولا عجب ، فالنار تأكل نفسها إن لم تجد ما تأكله !
وأستحضر هنا عبارة كتبها الأديب الانجليزي “تشارلز ديكنز” في روايته الشهيرة “قصة مدينتين”
عبارة لم أنسها على مدار سنوات كثيرة تفصلني الآن عن المرحلة الإعدادية التي كانت هذه الرواية مقررة عليّ فيها
لقد قال الأديب الانجليزي إن الثورة الفرنسية قامت على أربعة مبادئ
الحرية المساواة الإخاء
أو
الموت
ولكنها لم تبقٍ من هذه المبادئ الأربعة إلا مبدأ واحداً هو …. الموت.
وقد صدق تشارلز ديكنز واستمرت بحار الدم في فرنسا عاماً ونصف أو عامين ، ولا أتمنى أن نكون مثلهم ولا حتى في الخيال.
فنحن قوم أعزنا الله بالإسلام وستظل أخلاق الإسلام هي الحاكمة لسلوكياتنا… فإن كان هؤلاء لم يتقوا الله فينا فنحن نتقي الله فيهم … وبيننا وبينهم شرع الله .